ايمان المالكي

« أيمن مالكي» فنان من طراز واقعي فريد. اكتسب شهرته الفنية لدقته العجيبة في نقل صور من الواقع الإيراني إلى حد التقاط ما هو غير مرئي في الواقع وأكثرهُ خفاءً وهو يكوّن لوحته بهذه الطريقة الدقيقة بريشة متمكنة من تصوير اللحظة الإنسانية فيها تقريب الواقع وتوثيقه وتقديم شرائحه بيقين فني عالي المستوى.

لم يكن غريباً على أيمن مالكي أن يحصل على جائزة أفضل فنان في العالم! فهو يدير الواقع، بما في ذلك الطبيعة الساحرة، من زاوية نظر عميقة، لا بالمعنى الانطباعي ولا التعبيري حتى، لكن بمعنى إعادة صياغة الواقع برؤية جمالية وتحريك روحه الإنسانية بريشة حساسة تنتمي أولاً وأخيراً إلى الواقع، بطريقة قراءة الواقع ثانية وتثبيت معطياته الإنسانية واستحضار مفاصله المختلفة وصولاً إلى استحضار قيمه الروحية والإنسانية واستجلاء مكنوناته الشعبية والحسية وفرادة الطبيعة في تشكلاتها الجمالية.

باللون يتحايل الفنان مالكي على الواقع، وهو مادته الأثيرة، فالمخفي من الحياة اليومية في اللقطة العابرة أو القارّة منها يكشفه في براعة التلوين بتدرجاته المطلوبة وحسب زاوية الرؤيا لا الرؤية، فالأخيرة نافذة، أما الأولى فهي ما يشتغل عليها مالكي بحرفية عالية وتقنية متمرسة، فالعقل الفني الناشط في مخيلته قادر على إعادة »صناعة« اللقطة في مسرح الحياة وتحريكها من جديد وبث الخيال الخلاّق في تضاعيفها ثانية، لا من أجل تغريبها عن الواقع، إنما من أجل خلق قدرٍ أكبر من الموضوعية الواقعية، لكن بطريقة الجنوح إلى الخيال والوصول إلى أعلى مراحله الواقعية، فالخيال هو تكثيف الواقع أخيراً برأي كافكا.

في هذا الخيال الواقعي يخلط مالكي بين المشاعر الحسية الداخلية وبين التلقي الخارجي بتجلياته المتناقضة. لكنه يصل إلى لحظة التنوير في (تصوير) الحياة بوصفها موضوعاً كلياً، لكي يأخذ من تلك الحياة الكلية بصمات من الواقع والطبيعة والدخول إلى الشرائح الاجتماعية وهو ينتقيها بعناية وعقل فني متحرك لا يخضع إلى شروط الواقع كثيراً فهو القائل: عندما أرسم أشعر أنني مغمض العين. تتحرك يدي بدافع وأمر مباشر من عقلي… فأنا أرى المنظر بعقلي أفضل ألف مرة من عيني«، فالواقع الغزير بالنماذج الإنسانية، لاسيما المهمشة منها، لا ينظر لها إلا بعين العقل والخيال المحض، لإضفاء بُعدٍ تراجيدي على لوحاته واستنطاق حيواته المتحركة في فضاء الحياة بإقامة علاقة ضمنية مشروعة بينه وبين التلقي المجهول العام.

مجهر الفن

يصمم الفنان مالكي لوحته ببنية زمانية ومكانية متبادلة الحركة، فهو مولع بتوثيق التاريخ الاجتماعي لا بطريقة الأرشفة الفنية إنما بقراءة هذا التاريخ وفرز معطياته اليومية واقتناص مكنوناته الكثيرة لعقد مصالحة أولية بينه وبين الفن.

فخطاب مالكي هو التوصل إلى خلق بؤر جمالية في الواقع وإبراز كنوزه الأثيرة عبر عقل نافذ إلى ما هو خيالي جداً، وإن كانت ريشته تضرب في متون الواقع والتقاط جزئياته النافرة التي لا تقع عليها العين، لكن ذاكرته البصرية القوية تستطيع أن تعيد إنتاج الجزئيات بذكاء لافت في توزيع الألوان بنسبها المنضبطة وتوزيع الضوء والظل بذهنية صافية وإبراز لحظات التنوير بمجهرية دقيقة، تلك التي لا يراها الواقع ولا تقع عليها الأنظار.

قصص مالكي وطفولاته

علاقة مالكي ببيئته جلية وهي علاقة غنائية قوامها الانغماس فيه والتحقيق في جمالياته من طبيعة وتراث وأزقة وبيوت ونساء وأطفال وأشجار ومراع وتفصيلات يومية كثيرة لا تلفت إليها الأنظار كالاهتمام برتق الثياب وترقيعها أو ألعاب الطفولة أو متابعة فتيات المدرسة وإلقاء الضوء على لحظات الخمول والفراغ.

لذلك فهو يروي قصصاً من الواقع بطريقة انضباط الخيال في تجسيد الواقع وتنشيط ذاكرته الاجتماعية والتاريخية. وقصص مالكي مستوحاة من بيئة شعبية تتصف بالثراء والجدل بعلاقاتها اليومية المشتبكة في أساطير الواقع بدلالاتها الواقعية

والرمزية

الطفولة محور مهم في إنتاج الفنان مالكي. ودراما الطفولة غنية في مجمل ما رسمه من لوحات متعددة وهو لا يني من تقديم هذه الثيمة بوجهه الدرامي الواسع حين يزج بأطفاله في معركة الحياة والعمل المضني والشقاء المبكر، فطفل مالكي عبارة عن طاقة مهدورة وعناء وقسوة غير مبررة إلا من تاريخها اليومي وزمنها القائم والذي يفسره المكان ويلقي بظلاله المعتمة علي.

الرسام في سطور

ولد أيمن مالكي في طهران سنة (1976) وبدأ تعلّم الرسم في سن الخامسة عشرة وكان أستاذه الفنان الإيراني مرتضى كاتوزيان أعظم رسام واقعي في الجمهورية الإسلامية الإيرانية. تخرج في جامعة طهران للفنون وشارك في معارض متعددة مثل معرض الرسامين الواقعيين في طهران ومعرض متحف الفن المعاصر ومعرض مجموعة من الفنانين في استديو كارا سابز ومعرض في قصر سعد أباد.

في عام 1999 تخرج في التصميم الفني في جامعة طهران ومنذ 1998 وفي العام التالي انشأ أستوديو ءزء للصورة وبدأ تدريس الرسم في تخصص »النظم التقليدية والقيم التقليدية«.. حائز على جائزة أفضل فنان في العالم.

عن أحمد السحار

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

جيمس مكنيل ويسلر

ولد جيمس ويسلر في ماساتشوسيتس، ورحل إلى باريس في سن الحادية عشر، يحدوه الأمل أن يصبح فنانا. ...